فوزي آل سيف

137

أصحاب النبي محمد صلى الله عليه وآله

وفي الاجابة عن ذلك يمكن تقديم الأمور التالية: 1. ما رآه بعضهم من أن أبيّ بن كعب لم يكن راغباً في ذلك وكأنه كان يرى عدم مشروعيته لكنه لما رأى الأمر جزماً من الخليفة ولا مجال للتملص منه استجاب، وقد يستفاد هذا مما ذكر من " أنَّ عمرَ بنَ الخطّابِ أمرَه أنْ يصلّيَ بالليل في رمضانَ، فقالَ: ـ إنَّ الناسَ يصومونَ النهارَ، ولا يحسنونَ أنْ يقرأوا، فلو قرأتَ عليهم بالليل، فقالَ: يا أميرَ المؤمنينَ هذا شيءٌ لم يكنْ، فقالَ: قد علمتُ، ولكنَّه حَسَنٌ! فصلّى بهم عشرينَ ركعةً" وكانَ أُبُّي لا يرغبُ في المشاركة مع الناسِ في العشر الأواخر من شهرِ رمضانَ، وكانَ يفرُّ بنفسه من أجلِ الخلوةِ مع الله، والتنفلِ في بيته، عودةً منه إلى سُنَّةِ رسولِ اللهِ صلّى الله عليه وآله، وكانَ يتعرضُ إلى الانتقاد الشديد من قبل أنصار « التراويح »؛ حتّى أنَّهم نعتوه بـ « الآبق »، تشبيهاً له بالعبدِ الهارب [412].. ولعلَّ تخلّفَ أُبي كانَ تأسّياً برسولِ اللهِ صلى الله عليه وآله[413]. 2. هناك احتمال آخر وهو أن عدم مشروعية النوافل جماعة لم تكن واضحة بهذا النحو الذي هي عليه الآن في مدرسة أهل البيت عليهم السلام ومن تأثر بها، نعم ربما كان هناك كراهة لها من حيث أنها لم تكن معهودة أيام رسول الله صلى الله عليه وآله، ومع حديث أمير المؤمنين عليٍّ عليه السلام ونهيه عنها ثم كلمات أولاده الأئمة عليهم السلام اتضح أن تلك غير مشروعة أصلاً لا أنها مجرد كراهة. ولعل إحدى جهاتها أن النوافل أصل تشريعها هو لمزيد من التطوع والتكلف في القراءة والتسبيح والأفعال، بينما الجماعة من مقوماتها هو سقوط القراءة عن المأموم وتكلف الإمام بها، فكأنّ المعنيين متخالفان، هذه يقوم أساس تشريعها على مزيد من التكلف والتطوع، والجماعة يقوم أساس تشريعها على إسقاط القراءة عن المأموم.. فكيف يجتمعان في جماعة النوافل؟! 3. على أننا يمكن لنا أن نشكّك في كثير من روايات قيامه بهذا، بعدما ثبت أن أنصار التراويح والنوافل جماعة قد نسبوا إلى أمير المؤمنين علي عليه السلام قيامه بها، مع أن المعلوم من مذهبه ومذهب ابنائه وأتباعهم محاربته لها ونهيه عنها "فإنّه عليه السلام قد جدّ لأن يمحو تلك البدعة الحسنة (صلاة التراويح) التي سنّت من قبل عمر، لكنّ الجند صاحوا: وا سنّة عمراه، وا سنّة عمراه، وقد جاء في كلام له يشير إلى ذلك، فقال: قد عملت الولاة قبلي أعمالاً خالفوا فيها رسول اللَّه، متعمّدين لخلافه، ناقضين لعهده، مغيّرين لسنّته، ولو حملت الناس على تركها، وحوّلتها إلى مواضعها وإلى ما كانت في عهد رسول اللَّه صلى الله عليه وآله لتفرّق عنّي جندي حتّى أبقى وحدي، أو قليل من شيعتي الذين عرفوا فضلي وفرض إمامتي من كتاب اللَّه عزّ وجلّ وسنّة رسول اللَّه".[414] هل توفي في أيام خلافة عمر أو عثمان؟ تختلف أقوال المؤرخين[415]في تاريخ وفاة أبي بن كعب، بعد أن تجمع على أنه لم يدرك أيام أمير المؤمنين علي عليه السلام وخلافته الظاهرية..

--> 412 ) الباقري، الشيخ جعفر: صلاة التراويح، سنة مشروعة أو بدعة محدثة؟ ٤٦ 413 ) الطوسي، محمد بن الحسن: تهذيب الأحكام٣/٦٩: بسند معتبر صحيحة الفضلاء زرارة وابن مسلم والفضيل عن الباقرين عليهما السلام قالوا: سألناهما عن الصلاة في رمضان نافلة بالليل جماعة فقالا: ان النبي صلى الله عليه وآله كان إذا صلى العشاء الآخرة انصرف إلى منزله، ثم يخرج من آخر الليل إلى المسجد فيقوم فيصلي، فخرج في أول ليلة من شهر رمضان ليصلي كما كان يصلي فاصطف الناس خلفه فهرب منهم إلى بيته وتركهم ففعلوا ذلك ثلاث ليال فقام في اليوم الرابع على منبره فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: (أيها الناس إن الصلاة بالليل في شهر رمضان النافلة في جماعة بدعة، وصلاة الضحى بدعة ألا فلا تجتمعوا ليلا في شهر رمضان لصلاة الليل ولا تصلوا صلاة الضحى فان ذلك معصية، الا وإن كل بدعة ضلالة وكل ضلالة سبيلها إلى النار) ثم نزل وهو يقول: (قليل في سنة خير من كثير في بدعة). ويلاحظ أن نفس هذه الرواية موجودة في مصادر مدرسة الخلفاء لكنها ناقصة ومنقولة إلى القول بأنه فاصطف الناس خلفه فهرب منهم إلى بيته وتركهم.. ثم لا ينقل باقي الرواية.. فراجع صحيح البخاري ٢/‏٥٠ وغيره. 414 ) الشهرستاني، السيد علي: وضوء النبي ص ١٤٤ 415 ) أشار إليه أغلب من تعرض لسنة وفاته، وقد جمع الذهبي بعض أطرافه في سير أعلام النبلاء، ج ١، الذهبي، ص ٥٦٨ بقوله: " قال محمد بن عمر الواقدي: تدل أحاديث على وفاة أبي بن كعب في خلافة عمر. ورأيت أهله وغيرهم يقولون: مات في سنة ثنتين وعشرين بالمدينة، وأن عمر قال: اليوم مات سيد المسلمين. قال: وقد سمعنا من يقول: مات في خلافة عثمان سنة ثلاثين. قال: وهو أثبت الأقاويل عندنا، وذلك أن عثمان أمره أن يجمع القرآن. وقال محمد بن سعد: حدثنا عارم، حدثنا حماد، عن أيوب، عن ابن سيرين أن عثمان جمع اثني عشر رجلا من قريش والأنصار فيهم أبي بن كعب، وزيد بن ثابت في جمع القرآن. قلت: هذا إسناد قوي، لكنه مرسل. وما أحسب أن عثمان ندب للمصحف أبيا، ولو كان كذلك، لأشتهر، ولكان الذكر لأبيّ لا لزيد، والظاهر وفاة أبيّ في زمن عمر حتى إن الهيثم بن عدي وغيره ذكرا موته سنة تسع عشرة. وقال محمد بن عبد الله بن نمير، وأبو عبيد، وأبو عمر الضرير: مات سنة اثنتين وعشرين، فالنفس إلى هذا أميل، وأما خليفة بن خياط، وأبو حفص الفلاس فقالا: مات في خلافة عثمان. وقال خليفة مرة: مات سنة اثنتين وثلاثين.